شباب عرب يحولون المعاناة إلى مبادرات تصنع فرقاً

من فلسطين، سوريا، لبنان، مروراً بالسودان، ليبيا، الصومال، انتهاء باليمن والمغرب، كشفت المنصة الجديدة أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الدول العربية عن قصص شباب لم يكتفوا بمواجهة الأزمات التي يعيشونها، بل ابتكروا حلولاً لمجتمعاتهم وقادوا مبادرات صنعت أثراً ملموساً حولهم.

غالباً ما تأتي قصص الشباب الذين يعيشون في مناطق الأزمات محمّلة بالخسارة: تعليم انقطع، وظائف فُقدت، منازل تُركت، وأحلام تأجلت. لكن ماذا لو بدأنا القصة من مكان آخر؟ ماذا يفعل الشباب عندما تقع الأزمة؟

هذا هو السؤال الذي حاول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الدول العربية الإجابة عنه من خلال ندوة بعنوان “الشباب في الدول العربية: في الخطوط الأمامية للاستجابة”، نظمت بالتزامن مع اليوم العالمي للشباب ضمن سلسلة “الشباب في الخطوط الأمامية”.

وخلال الندوة، أعلن البرنامج عن منصة رقمية جديدة توثق تجارب 14 شاباً وشابة من ثماني دول عربية، بهدف إعادة صياغة السردية حول الشباب في سياقات الأزمات، وإظهار كيف يقودون جهود الاستجابة، ويبتكرون حلولاً محلية، ويساهمون في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.

الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تغير زاوية النظر بالكامل: بدلاً من أن يكون الشباب مجرد متضررين من الأزمة، تصبح قصصهم أيضاً قصصاً عن المبادرة والابتكار والقدرة على صناعة التغيير.

حين تتحول المعاناة إلى فكرة

من غزة، شاركت رغدة بريكة تجربة بدأت في واحدة من أصعب البيئات الممكنة. وسط النزوح والخيام المكتظة والقصف ونقص الموارد، لم تنتظر أن تتوفر الأدوات المثالية لتبدأ العمل مع الأطفال والأسر.

استخدمت هي وشباب آخرون ما كان متاحاً لصناعة أنشطة ومساحات للدعم النفسي والتقارب بين الأطفال وعائلاتهم. كانت الفكرة في جوهرها بسيطة: إذا لم تتوفر المساحة الآمنة، يمكن للشباب أن يحاولوا خلق واحدة.

وفي تجربتها، لم تكن الاستجابة مجرد عمل تطوعي، بل محاولة للحفاظ على شيء من الأمل والكرامة والإنسانية في مجتمع يعيش ظروفاً استثنائية. قصتها تلخص جانباً مهماً من المنصة الجديدة: أحياناً لا يبدأ الابتكار من التكنولوجيا أو الموارد الكبيرة، وإنما من سؤال بسيط: ماذا أستطيع أن أفعل بما لدي الآن؟

من العمل المحلي إلى بناء السلام

وفي اليمن، تعكس تجربة عُلا الأغبري كيف يمكن للمبادرات الشبابية أن تتطور من استجابة محلية إلى دور أكبر في المجتمع.

الأغبري، مؤسسة ومديرة تنفيذية لمؤسسة شباب سبأ للتنمية، عملت على مدى سنوات في مجالات بناء السلام والتنمية، ووصلت جهودها إلى آلاف الشباب ومئات الفتيات. كما شاركت في جهود وساطة محلية مرتبطة بقضايا مثل المياه والطرقات، ووصلت تجربتها إلى المشاركة في مفاوضات مرتبطة بالصراع في اليمن. وتصفها المنصة ضمن النماذج التي تُظهر كيف يمكن للشباب الانتقال من الاستجابة المباشرة إلى أدوار أوسع في بناء السلام والحوكمة.

واللافت في تجربتها أن العمل لم يتوقف حتى عندما عادت أصوات القصف إلى تعز؛ فبالنسبة لفريقها، وجود الأزمة لم يكن سبباً للتوقف، بل سبباً إضافياً للاستمرار في خدمة المجتمع. هنا تظهر فكرة أخرى تجمع القصص: الشباب لا ينتظرون دائماً انتهاء الأزمة حتى يبدأوا في التفكير في المستقبل.

في السودان .. المجتمع نفسه يصبح جزءاً من الحل

أما عبد الله بابكر من السودان، وهو طالب طب ومؤسس مبادرة شبابية، فقد وجد نفسه أمام واقع مختلف عندما أدت الحرب إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق أخرى.

تحرك الشباب لتجهيز المدارس لاستقبال النازحين، مستفيدين من دعم الأسر والمجتمع المحلي لتوفير الطعام والفراش والاحتياجات الأساسية. لكن تجربة عبد الله لم تتوقف عند الاستجابة الإنسانية. فهو يرى أن الدرس الأهم هو ضرورة أن يكون الشباب جزءاً من صنع القرار نفسه، وليس فقط من تنفيذ الاستجابة بعد وقوع الأزمة.

وقد لخص لاحقاً مشاركته في المبادرة بالقول إن الشباب، رغم النزوح ومحدودية الموارد والظروف الصعبة، يواصلون الاستجابة والقيادة والوقوف إلى جانب مجتمعاتهم، مؤكداً أهمية الاعتراف بهم كشركاء فاعلين في الاستجابة وصنع القرار.

قصص مختلفة لكن شيئاً واحداً يجمعها

رغم اختلاف السياقات والأزمات التي واجهها هؤلاء الشباب، تكشف قصصهم عن مجموعة من السمات المشتركة: سرعة الاستجابة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، والاستفادة من الشبكات المحلية، والابتكار في توظيف الموارد المحدودة. والأهم، قدرتهم على رؤية أنفسهم كجزء من الحل، حتى وهم يعيشون الأزمة ويتأثرون بها بشكل مباشر.

هذه النقطة تحديداً هي التي تحاول منصة “الشباب في الخطوط الأمامية” إبرازها، فالشباب ليسوا فقط أشخاصاً نتحدث عنهم عندما نناقش آثار الأزمات، بل أشخاص يقومون بالفعل بشيء تجاهلها. وتوثيق هذه التجارب لا يهدف فقط إلى الاحتفاء بأصحابها، وإنما إلى منح قصصهم مساحة أوسع، بحيث يستطيع شباب آخرون في المنطقة رؤية نماذج قريبة منهم، والتعرف على طرق مختلفة للاستجابة، وربما مشاركة تجاربهم هم أيضاً.

لماذا نحتاج إلى رواية مختلفة عن الشباب؟

لأن الحديث المستمر عن الشباب باعتبارهم ضحايا للأزمات قد يحجب جانباً مهماً من الصورة. بكل تأكيد يتأثر الشباب بالنزوح والحروب والبطالة وانقطاع التعليم والضغوط الاقتصادية، لكنهم في الوقت نفسه يخلقون مبادرات، يساعدون مجتمعاتهم، يبنون شبكات دعم، يعملون مع الأطفال والنازحين، ويشاركون في جهود السلام والتنمية.

والفرق بين الروايتين ليس لغوياً فقط، فعندما ننظر إلى الشباب باعتبارهم متلقين للمساعدة، فإن السؤال يصبح: كيف نساعدهم؟ ولكن عندما نراهم باعتبارهم شركاء قادرين على صناعة الحلول، يصبح السؤال: كيف نمنحهم الأدوات والمساحة التي تمكنهم من توسيع هذا الأثر؟

وهنا تحديداً تبرز أهمية المنصة التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الدول العربية، وهي أن تتحول التجارب الفردية إلى معرفة يمكن مشاركتها، وأن تتحول القصص المحلية إلى مصدر إلهام لشباب آخرين في المنطقة.

والسؤال الذي يبقى بعد كل هذه القصص ربما يكون أهم ما تتركه هذه التجارب ليس إجابة واحدة، وإنما سؤالاً مفتوحاً أمام المؤسسات والمجتمعات نفسها، إذا كان الشباب قادرين على التحرك وصناعة الحلول في أصعب الظروف، فأين تنتهي قدرة المبادرات الفردية وتبدأ مسؤولية المؤسسات؟ وما التغيير الذي تحتاجه المؤسسات حتى يصبح الشباب شركاء حقيقيين في صنع القرار، لا مجرد مستجيبين وقت الأزمات؟

فالقصة التي تحاول هذه المنصة أن ترويها ليست أن الشباب قادرون على تحمل الأزمات فحسب، بل إنهم رغم كل ما يعيشونه يستطيعون تحويل المعاناة إلى فكرة، والفكرة إلى مبادرة، والمبادرة إلى أثر. وربما يكون أفضل ما يمكن أن تفعله هذه القصص هو أن تجعل شاباً آخر، في مجتمع يواجه أزمة مختلفة، يرى نفسه فيها ويقرر أن يبدأ هو أيضاً.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.