للمرة الأولى منذ أعوام طوال، وجدتني جالسًا إلى مقعدٍ لا يمسك بمقود سيارة، وإنما يمسك بخيطٍ من التأمل.
وما أعجب أن تكون بعض الراحة الجسدية بابًا تقتحمه الأفكار إلى النفس اقتحامًا، كأنها كانت تنتظر أن يهدأ ضجيج الطريق حتى تُسمِع القلب حديثها.
ثلاثة عقود، قلّ أن عرفت فيها السفر إلا من وراء الزجاج الأمامي، أحصي المسافات، وأراقب الطرق، وأتفاوض مع الزمن على دقائق الوصول. أما اليوم، فقد صرت أنظر إلى العالم من نافذة أخرى؛ نافذة لا ترى الإسفلت وحده، بل ترى الناس، ووجوههم، وطقوسهم، وأحلامهم، ومفارقاتهم التي يكتبها التاريخ كل يوم ولا يلتفت إليها إلا من أبطأ قليلًا.
ونحن نمر بأيامٍ ترتبط في ذاكرة أممٍ بأشهرٍ مخصوصة، تتزاحم فيها الزيارات والمواكب والمناسبات، رأيت كيف يمكن لفكرةٍ واحدة أن تُحرّك ملايين البشر دفعةً واحدة. رأيت مدنًا تتحول إلى أنهارٍ من الناس، وشوارع تصبح أمواجًا من الأقدام، وبيوتًا تُفتح بلا استئذان، وموائد تمتد حتى ليخال الناظر أن الأرض كلها قد أصبحت مائدة واحدة.
ولست هنا بصدد مناقشة تلك الظواهر من جهةٍ فقهية أو تاريخية، ولا من جهةٍ سياسية أو اقتصادية، وإن كان لكل واحدة منها حديث يطول. غير أن صورةً بعينها استوقفتني؛ صورة بلدٍ بأسره يتحول، في أيام معدودات، إلى أكبر مطعمٍ مجاني على ظهر الأرض. ملايين الوجبات تُقدَّم، ومليارات تُنفق، وآلاف الأعمال تتوقف، ومصالح الناس تتباطأ، واقتصادات تتأثر، وأناس يبيعون ما يملكون ليبلغوا مقصدًا يرونه غاية الغايات.
وما إن استقرت هذه الصورة في ذهني حتى استدعت من الذاكرة صورة أخرى، على بُعد آلاف الكيلومترات، في بلادٍ آسيوية يجلّ أهلها حيوانات بعينها، حتى جاوز الإجلال حدود الانتفاع إلى حدود التقديس. وهناك أيضًا رأيت مفارقةً لا تقل إيلامًا؛ شعوبًا أنهكها الفقر، وأرهقها الجوع، بينما تقف إلى جوارها ثروات حية لو أُعيدت إلى وظيفتها الطبيعية في عمارة الأرض، لأشبعت بطونًا كثيرة، ولرفعت عن ملايين البشر شيئًا من قهر الحاجة.
وليس المقصود هنا الحيوان نفسه، ولا البلد نفسه، ولا الدين نفسه، وإنما المقصود هو الفكرة حين تستولي على الإنسان حتى تحجبه عن المقاصد الكبرى للحياة
فالكون كله خُلق ليكون معينًا للإنسان على أداء رسالته، فإذا انقلب الميزان، وصار الإنسان خادمًا لما ينبغي أن يكون في خدمته، فقد بدأت رحلة الاضطراب.
ثم مضت بي الخواطر إلى صورة ثالثة، لا تقل حضورًا في عالمنا الإسلامي؛ حين تتحول محبة الصالحين إلى تعلقٍ ينسى الخالق ويستغرق في المخلوق، أو يصبح الأمل معقودًا على قبرٍ أكثر مما هو معقود على باب السماء، أو تُربط القلوب بأشخاصٍ بدل أن تُربط بالمبدأ الذي جاؤوا يدعون إليه.
وما أقسى أن تتحول الوسائل إلى غايات.
فالأنبياء ما جاءوا ليقف الناس عند أشخاصهم، وإنما ليعبروا بهم إلى الله. والصالحون ما كانوا يومًا يريدون أن تُشد الرحال إلى ذواتهم، وإنما أن تُشد العزائم إلى الطريق الذي سلكوه.
وليس الانحراف يبدأ دائمًا من الكفر الصريح، بل كثيرًا ما يبدأ من محبةٍ تجاوزت حدها، أو تعظيمٍ فقد ميزانه، أو عادةٍ طال عليها الزمن حتى لبست ثوب القداسة.
وهنا أدركت أن المرض واحد، وإن اختلفت صوره.
فقد يقدس قومٌ حجرًا.
وقد يقدس آخرون حيوانًا.
وقد يقدس غيرهم بشرًا.
وقد يقدس فريقٌ عادةً ورثها عن آبائه.
والنتيجة واحدة؛ أن تتراجع قيمة الإنسان، وأن تتقدم الأشياء على حساب الرسالة التي خُلقت الأشياء من أجلها.
إن أعظم ما في الرسالات السماوية أنها جاءت لتحرر الإنسان من عبودية كل شيء سوى خالقه.
تحرره من عبودية الأصنام، ومن عبودية الأشخاص، ومن عبودية العادات، ومن عبودية الخرافة، وحتى من عبودية الهوى الكامن في داخله.
فإذا عاد الإنسان بعد ذلك ليصنع لنفسه قيدًا جديدًا، فقد عاد إلى النقطة التي جاءت الرسالات كلها لتخرجه منها.
ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر.
ولا الجوع.
ولا قلة الموارد.
بل اختلال سلم الأولويات.
حين يُنفق الناس بسخاء فيما لا يبني الإنسان، ويُبخل عليه بما يبني عقله، ويُسرف في المظاهر، ويُقتَّر في المعرفة، ويُشاد البناء للحجارة، بينما النفوس من الداخل تتداعى.
إن الحضارات لا تنهار يوم يقل الذهب، وإنما يوم يختل الميزان.
ويوم يصبح الرمز أغلى من الحقيقة.
والوسيلة أقدس من الغاية.
والعاطفة أقوى من العقل.
والعادة أعلى صوتًا من الوحي.
ومن عجائب التاريخ أن أكثر الأمم سقوطًا لم تكن بالضرورة أفقر الأمم، بل كانت أممًا امتلكت من الثروة ما يكفي، ولكنها فقدت البوصلة التي تهديها إلى أين ينبغي أن تمضي.
ولست أكتب هذه الكلمات لأدين شعبًا دون شعب، أو مذهبًا دون مذهب، أو أمةً دون أمة؛ فكل أمة تحمل في داخلها شيئًا من هذا الامتحان.
إنها طبيعة الإنسان إذا غفل.
كلنا معرضون لأن نقدس ما لا يستحق التقديس، وأن ننشغل بما هو أدنى عما هو أعلى، وأن ننفق أعمارنا في الدفاع عن الوسائل حتى ننسى الغايات.
ولهذا كانت المراجعة الدائمة نعمة.
وكان السؤال فضيلة.
وكان التفكر عبادة.
إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان مع نفسه، بين حين وآخر، أن يقف أمام مرآة روحه، ويسألها في هدوء:
هل ما أفعله يقربني من الحق، أم يقربني من العادة؟
هل يخدم الإنسان، أم يخدم الصورة؟
هل يرضي الله، أم يرضي الناس؟
وهل أنا أعبد المقصد… أم الوسيلة؟
كانت هذه الأسئلة ترافقني وأنا أرقب الطريق من نافذة المركبة، لا من مقودها.
وربما لهذا بدا الطريق أقصر من المعتاد، لأن الفكر إذا انشغل بالمعاني، اختصرت المسافات.
وأيقنت، قبل أن تنتهي الرحلة، أن أكثر ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس كثرة الشعارات، ولا ازدياد الطقوس، ولا اتساع الحشود، وإنما عودةٌ هادئة إلى ترتيب الأولويات؛ حيث يكون الإنسان أغلى من كل ما يملكه، والحق أعلى من كل ما اعتاده، والله أكبر من كل ما قدّسه الناس بغير حق.
فإذا استقام هذا الميزان، استقامت بعده أشياء كثيرة، وعاد الدين رحمة، والعقل نورًا، والعمل عبادة، والإنسان إنسانًا كما أراده الله.

