صخب الأرقام وصمت المهارات

تعيش البيوت في هذه الأيام على وجيب القلوب، وتترقب الأعين لوائح الخريجين ونتائج الثانوية العامة، كأنما ينتظرون قضاء السماء أو صكوك الغفران. إنها تلك الأيام التي تُوزن فيها أحلام الشباب بموازين الورق، وتُقاس عقولهم بما سطرته أقلامهم في ساعات معدودات، فتُعقد المقارنات، وتُشرع أبواب المفاضلات الجامعية، وكأن مستقبل هذا الإنسان، المستخلف في الأرض ليعمرها، قد رُهن برقم أصم، أو درجة لا تزيد عن كونها ظلاً باهتاً لحقيقة عقله وجوهر طاقته.

ولقد بلينا في عصرنا هذا بآفة التعلق بظواهر القياس، فبتنا نرى الأمم تتسابق في مضامير الاختبارات الدولية، كاختبارات “بيزا” (PISA) و”تيمز” (TIMSS) و”بيرلز” (PIRLS)، يحسبونها القول الفصل في تقويم العقول وميزان التفوق. وما هي، وايم الحق، إلا قوالب جامدة تمتحن الذاكرة أكثر مما تمتحن الفهم، وتقيس قدرة الطالب على استرجاع التنظير، لا قدرته على ابتداع التدبير وحل المعضلات. إننا ننتقص من قدر الإنسان حين نحصره في جداول هذه الاختبارات، وننسى أن بناء المهارة وتنمية الملكات هو المعيار الحق الذي به تنهض الأمم. إننا لا نريد بناء تقييمنا على “مصفوفة” عقيمة من الدرجات، بل على “جريد” (Grid) حيوي ومرن، يتسع لتشعب المهارات العملية وتكاملها في أرض الواقع.

ولقد أظلتنا في هذا الزمان غاشية من غواشي العلم، وطوفان من ثورات التقنية وعوالم الذكاء الاصطناعي، جعلت من الاعتماد على التنظير وحفظ المعلومات ضرباً من العبث العتيق. فما غناء الحفظ والاستظهار، وما نفع التلقين والتكرار، إذا كانت الآلة الصماء، بضغطة زر، تستحضر علوم الأولين والآخرين، وتحل أعقد المعادلات في طرفة عين؟ إننا نعيش فجراً جديداً لا سيادة فيه لمن يكتنز المعلومات، بل السيادة لمن يحسن توجيهها، ويدرك سر تركيبها.

وهنا تتجلى الحاجة الماسة إلى مهارات غابت عن فصولنا الدراسية؛ أعني “التحايل المنطقي” الذي يروض جموح الآلة ويستنطق ذكاءها، و”البرمجة” التي هي لغة هذا العصر ولسانه المبين، و”أصول الهندسة” التي تبني هياكل الفكر قبل هياكل الحديد. فهذه، لعمر الحق، هي الجواهر النفيسة التي ستُستخرج منها ثروات المستقبل، والينابيع التي ستفيض بالخير والنفوذ على الأمم التي تتقنها.

وليس هذا رجماً بالغيب أو ترفاً من القول، بل هو ما تنطق به حقائق العصر التي أقرتها كبريات جامعات العالم ومراكز أبحاثه؛ فإذا ما نظرنا في لغة الأرقام، رأيناها تصدق ما نذهب إليه من قصور الاعتماد النظري، وحتمية التحول نحو مهارات المستقبل

  • جامعة ستانفورد وانفجار المهارات: يُظهر “تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي” السنوي الصادر عن معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان (HAI) في جامعة ستانفورد، أن الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبرمجة قد تضاعف بصورة هائلة في القطاعات كافة. وتؤكد بياناتهم أن الوظائف التي تتطلب قدرات التفكير الهندسي والتحليل المنطقي تنمو بسرعة تفوق غيرها بأضعاف، في حين تتآكل قيمة المعرفة النظرية المجردة التي يمكن للآلة تقليدها بسهولة، مما يجعل التعليم التقليدي في معزل عن حركة التاريخ.
  • جامعة هارفارد وثورة الإنتاجية بالتحايل المنطقي: في دراسة ذائعة الصيت لكلية الأعمال بجامعة هارفارد (بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية BCG)، تتبعت أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي على المستشارين، تبين أن المهنيين الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي بمهارة “التحايل المنطقي” (Prompt Engineering) وحسن التوجيه، أنجزوا مهامهم المعقدة أسرع بنسبة %25، وبجودة أعلى بنسبة %40 مقارنة بمن اعتمدوا على جهدهم النظري المجرد. إنها ثروة العقول حين تتزاوج مع ثورة الآلات بالمنطق والفهم.
  • معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وأتمتة النظريات: تؤكد أبحاث (MIT)، لا سيما دراسات الخبراء حول مستقبل العمل، أن الذكاء الاصطناعي لن يكتفي بأتمتة الأعمال الروتينية، بل سيمتد لأتمتة “المهام المعرفية”. وتشير الإحصائيات إلى أن القيمة الاقتصادية المستقبلية لن تُبنى على ما يحفظه الإنسان، بل على قدرته على تطبيق أصول الهندسة والبرمجة لحل معضلات مستحدثة؛ حيث تشير تقارير اقتصادية كبرى مبنية على هذه النماذج إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي، نصيب الأسد منها سيكون حكراً على من يملك زمام هذه الجواهر التقنية.
  • سقوط وهم التفوق النظري (OECD): لقد أثبتت التحليلات المعمقة لنتائج (PISA) نفسها، أن نسبة ضئيلة جداً (لا تتجاوز %9 في المتوسط ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) من الطلاب قادرون على التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة في سياقات غير مألوفة، مما يكشف عوار الاعتماد الكلي على التلقين النظري الذي ينجح في الامتحان ويفشل أمام تحديات الذكاء الاصطناعي والحياة الحقيقية.

فيا أيها الآباء، ويا أيها القائمون على أمر التربية، لا تكسروا أجنحة الشباب في أقفاص العلامات، ولا تطفئوا بريق أعينهم ببرودة المفاضلات. إن الشهادة الجامعية التي تعتمد على سرد النظريات لم تعد نهاية المطاف، بل إن هذه الأرقام التي تُنشر اليوم وتتداولها الألسن، لن تبني وطناً ولن تقيم حضارة، إن لم تُشفَع بمهارة تُتقن، وعقل يتدبر، ويد تتقن لغة الآلة وأصول البرمجة. فاجعلوا همكم في تنمية عقولهم بالبناء المنطقي، وصقل أرواحهم بالتجربة الهندسية والتقنية، فإنما يُقاس المرء في غدنا الآتي بما يفيض به من نفع وما يبتدعه من حلول، لا بما يحمله من حبر على ورق، في عالم باتت فيه الآلة تقرأ وتكتب أسرع من بني الإنسان.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.